حسن الأمين
276
مستدركات أعيان الشيعة
ولما تهدد موقع الأمير يوسف - حليف الجزار - كحاكم لبلاد الشوف لم يتردد الشيخ ناصيف في تقديم يد المساعدة للأمير . والوقائع تؤكد أن الأمير يوسف ألمح بعد عودته إلى الحكم إلى رأي ناصيف السديد في كتاب يشكره فيه على مساعدته له في العودة إلى حكم الشوف . يضاف إلى هذا انه في محرم 1195 / 1780 كان محمد الحرفوش مجتمعا بناصيف في الطيبة ومنها اتجها إلى بعلبك وفي عشرين محرم وصل محمد الحرفوش إلى دير القمر ومنها خرج يوسف إلى صيدا ثم إلى صور حيث التقى بناصيف وكليب أبي نكد في 28 محرم ومنها توجه يوسف إلى عكا عند الجزار . ( 1 ) ولما حظي الأمير يوسف بدعم الجزار لقاء مبلغ من المال زوده بقوة من عنده وزحف مع الشيخ ناصيف وحمد العباس لأسترداد امارته . وقد أبلى الشيخ ناصيف بلاء حسنا في معاركه ضد الدروز المناوءين للأمير يوسف الذي ما أن شعر بخضوع الدروز لحكمه حتى كتب إلى الشيخ ناصيف الرسالة التالية : إلى جناب حضرة الشيخ ناصيف المؤيد الموقف المسدد ونطلب من الله العظيم وشعيب النبي الكريم ان لا يعدونا صاحب الهمة العلية والنفس الزكية الرضية ان رأيتم لائقا من غيرنا غير مأمور على جنابكم الشريف ان تكفوا العسكر عن القتل والنهب والحريق . لأن البلاد بلادكم والرعية رعيتكم وأمر جنابكم ماض علينا في الرخاء والضيق ورفيقنا ورفيق جنابكم فرد رفيق وإن شاء الله عز شانه الطريق فرد طريق . لأن غيرتكم ورأيكم السديد الذي بدا معنا وبذلتموه لدينا ما سبقكم عليه لا أخ ولا صديق فيجب علينا حفظه على الدوام على ممر الدهور والأيام « . ( 2 ) ظن ناصيف النصار ان موقعه قد تعزز عند الجزار بعد هذه الحادثة فحاول التوسط لبعض الجنبلاطيين الذين كانوا على خلاف مع الجزار فطلب هذا الطاغية مبلغا كبيرا من المال « حتى نسمح لهم عن دمهم ونسكنهم في الموضع الذي نريده لا في الموضع الذي يختارونه هم » ( 3 ) ولم يوفق الشيخ ناصيف في وساطته هذه . وربما كان ذلك إشارة من طاغية عكا إلى انتهاء دور الشيخ ناصيف النصار والانتقال بالتالي من مرحلة التناصر إلى مرحلة التناحر ! ناصيف النصار والجزار : مرحلة التناحر والاستشهاد كان الجزار مطبوعا على الغدر ، متنكرا للحلفاء لا يقيم للأخلاق وزنا في تحالفاته وعداواته لذلك عندما شعر باحكام قبضته على بعض مناطق فلسطين وأصبح الأمير يوسف الشهابي حاكم جبل لبنان ألعوبة بين يديه سال لعابه للسيطرة على جبل عامل والقضاء على ما كان يتمتع به من استقلال . وكان يدرك استحالة تحقيق هذا الأمر ما دام الشيخ ناصيف سيد الجبل بلا منازع . وقد عزز هذا الاعتقاد فشله المستمر بتحرشاته بقوات الشيخ ناصيف فقد « ساق عليه جنده وكر على جبل عامل الكرة بعد الكرة فلم يتسن له الفوز . وكان في كل مرة يرجع خائبا وتدور الدائرة عليه » ( 4 ) . فلما تهاوى زعماء جبل عامل الأشداء الواحد تلو الآخر تحت ضربات السنين . فقد توفي عباس المحمد وعلي منصور المنكري سنة 1187 / 1773 وعلي الفارسي الصعبي 1189 / 1775 ومحمود النصار وقاسم المراد وهما ساعدا ناصيف النصار سنة 1193 / 1779 ( 5 ) وعند ما تهاوى هؤلاء افتقد جبل عامل تماسكه السابق ، فهناك إشارة سريعة ومقتضبة إلى أن الشيخ حيدر الفارس حاكم بلاد الشقيف « كبس . . . اللزازات في صور ونهب طرشها في صفر 1195 / 1780 » فمثل هذه الحادثة لم تكن تحدث أيام أخيه علي الفارس . كما نقل في المخطوطات العاملية عن تواطؤ الشيخ قبلان الحسن حاكم قلعة هونين مع الجزار على ناصيف ظنا منه أن البلاد ستؤول اليه بعد ذهابه . ( 6 ) ولكن هذه الخلافات رغم أثرها السلبي على قوة العامليين لم تكن من الحدة بحيث تدفع فريقا منهم للقضاء المباشر على فريق آخر . فبالرغم من هاتين الاشارتين لا يمكن الذهاب في تصور واسع لصراعهم لأنه لم ينقل بتاتا في المخطوطات المتوافرة عن اشتراك عسكر حيدر الفارس أو عسكر قبلان الحسن مع الجزار في محاربة ناصيف في معركة يارون 1195 / 1780 بل نقل انه بعد مقتل ناصيف فر قبلان إلى دمشق بعد أن سقطت قلعة هونين بيد الجزار وأن حيدر الفارس حوصر في قلعة الشقيف من قبل الجزار الذي واصل زحفه في جبل عامل . ( 7 ) ومهما يكن من أمر فقد قرر الجزار الاستيلاء على الجبل وقرر ناصيف الدفاع عنه مهما كان الثمن غاليا . أرسل الجزار جماعة من جنده إلى جهات علما للتحرش فهاجم جند الشيخ ناصيف الذين ما لبثوا أن انسحبوا إلى قرية الزيب حيث جرت معركة لمدة ساعتين قتل على أثرها ستة من جنود الجزار وبدأ بعدها الجزار يضاعف استبداده ويعزز جيوشه في بلاد بشارة ( 8 ) استعدادا لمعركة تقرر نهاية ناصيف النصار . معركة يارون / : لقد اختلفت الروايات بشأن هذه المعركة وكيفية حدوثها فمن رواية تفيد انها كانت بين فريقين مهياين مسبقا للقتال . إلى رواية تفيد أنها كانت بتواطؤ من قبلان على ابن عمه ناصيف . ومن رواية تزعم أن الجزار تظاهر بأنه يزحف إلى وادي التيم في حين كان يقصد مباغتة جبل عامل ، إلى رواية تزعم أن الجزار كان يقصد حاصبيا فعلا وليس جبل عامل . ومن ناحية ثانية فقد اختلفت الروايات في كيفية مقتل ناصيف فمن رواية تفيد أن مقتله كان برصاصة في خاصرته إلى رواية تفيد انه كان « بطبنجة » من أحد رجال الجزار ضرب ناصيفا بها بعد أن زلت قدم جواده . محمد جابر آل صفا يروي الحادثة كما يلي : هاجم الجزار جبل عامل بجيش كثيف في سنة 1195 / 1780 من الجهة الجنوبية متظاهرا بأنه يريد اجتيازه إلى وادي التيم لتاديب العصاة . فأدرك الشيخ ناصيف قصده فأسرع لعنده بشرذمة من خيله لا تزيد عن سبعمائة فارس كانت ترابط معه دائما في حصن تبنين . وكان الشيخ ناصيف بطلا مقداما تعود خوض المعارك وممارسة الحروب يهزأ بالمنايا ولا يبالي بالموت . فحملته الجرأة والبسالة على منازلة ذلك الجيش اللجب بخيله القليلة ولم ينتظر وصول بقية الجنود والأعوان المرابطة في القلاع . وزلت قدم جواده على بلاطة يارون وعاجله بعض الجنود بإطلاق الرصاص فخر قتيلا وتشتت جنوده وطويت صحيفة استقلال جبل عامل بعد ناصيف وسقطت بمقتله الحكومة الأولى بحصونها وقلاعها . ( 9 ) الشيخ سليمان ظاهر يروي الحادثة معتمدا على الأمير حيدر الشهابي
--> ( 1 ) ن . م . ( 2 ) ن . م . ( 3 ) ن . م . ( 4 ) محمد جابر . ( 5 ) العرفان . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) ن . م . ( 8 ) مخطوطة الظاهر . ( 9 ) محمد جابر .